محمد جمال الدين القاسمي

412

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أعلمه اللّه أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقّ عليه . فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال : احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة . فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم . فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه . فتعاظموا ذلك وتكارهوه . فقال : ألا من ردّ عليّ الليلة شيئا مما أصنع فليس مني ولا أنا منه . فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال : أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي ، فليكن لكم بي أسوة . فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم . وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها ، فتدعون اللّه لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي . فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا ، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء . فجعل يوقظهم ويقول : سبحان اللّه ! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها . فقالوا : واللّه ! ما ندري ما لنا ! لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا . وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه . فقال : يذهب بالراعي وتتفرق الغنم . وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى نفسه . ثم قال : الحقّ ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات . وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني ! فخرجوا فتفرقوا . وكانت اليهود تطلبه . وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا : هذا من أصحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه . فتركوه . ثم أخذه آخرون فجحد كذلك . ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه . فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما . فأخذها ودلهم عليه . وكان شبّه عليهم قبل ذلك . فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل . فجعلوا يقودونه ويقولون له : أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون ، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك . حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها . فرفعه اللّه إليه . وصلبوا ما شبّه لهم . فمكث سبعا . ثم إن أمّه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام فأبرأها اللّه من الجنون ، جاءتا تبكيان حيث المصلوب . فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان ؟ فقالتا : عليك . فقال : إني قد رفعني اللّه إليه ولم يصبني إلا خير . وإن هذا شيء شبّه لهم . فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا . فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر . وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا : إنه ندم على ما صنع ، فاختنق وقتل نفسه . فقال : لو تاب لتاب اللّه عليه . ثم سألهم عن غلام يتّبعهم يقال له يحنّى . فقال : هو معكم ، فانطلقوا فإنه يصبح كلّ